الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

49

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأمّا الرّفادة : فهي أموال تخرجها قريش إكراما للحجيج فيطعمونهم جميع أيّام الموسم يشترون الجزر والطعام والزبيب - للنبيذ - وكانت لبني نوفل بن عبد مناف ، وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن عامر بن نوفل . وأمّا المشورة : فهي ولاية دار النّدوة وكانت لبني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ . وجاء الإسلام وهي بيد زيد بن زمعة . وأمّا الأعنّة والقبة فقبّة يضربونها يجتمعون إليها عند تجهيز الجيش وسميت الأعنّة وكانت لبني مخزوم . وهم أبناء عم قصي ، وجاء الإسلام وهي بيد خالد بن الوليد . وأمّا الحكومة وأموال الآلهة - ولم أقف على حقيقتها - فأحسب أنّ تسميتها الحكومة لأنّ المال المتجمع بها هو ما يحصل من جزاء الصيد في الحرم أو في الإحرام . وأمّا تسميتها أموال الآلهة لأنّها أموال تحصل من نحو السائبة والبحيرة وما يوهب للآلهة من سلاح ومتاع . فكانت لبني سهم وهم أبناء عمّ لقصي . وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن قيس بن سهم . وأما الأيسار وهي الأزلام التي يستقسمون بها فكانت لبني جمح وهم أبناء عمّ لقصي ، وجاء الإسلام وهي بيد صفوان بن أمية بن خلف . وقد أبطل الإسلام جميع هذه المناصب ، عدا السدانة والسقاية ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع « ألا إنّ كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدميّ هاتين إلّا سقاية الحاج وسدانة البيت » « 1 » . وكانت مناصب العرب التي بيد قصي بن كلاب خمسة : الحجابة ، والسقاية ، والرفادة ، والندوة ، واللواء - فلمّا كبر قصي جعل المناصب لابنه عبد الدار ، ثم اختصم أبناء قصي بعد موته وتداعوا للحرب ، ثم تداعوا للصلح ، على أن يعطوا بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة ، وأن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة ، وأحدثت مناصب لبعض من قريش غير أبناء قصي فانتهت المناصب إلى عشرة كما ذكرنا . وذكر الإيمان باللّه واليوم الآخر ليس لأنّه محلّ التسوية المردودة عليهم لأنّهم لم يدّعوا التسوية بين السقاية أو العمارة بدون الإيمان ، بل ذكر الإيمان إدماج ، للإيماء إلى

--> ( 1 ) رواه ابن الأثير في « النهاية » في مادة ( أثر ) ومادة ( سقى ) .